السيد كمال الحيدري

330

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

نفي الإكراه في الآية الكريمة تختصّ بالعمل الجوانحي القلبي ، أي : العقيدة وأُصول الدين ، فمن الثابت في محلِّه أن مفردات الشريعة العملية من صلاة وصوم وحجّ وزكاة يُحاسب على تركها المسلم ويُكره عليها من قبل الإمام العادل ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إقامته ، سواء من الإمام العادل مباشرة أم بإذنٍ منه أم من قبل المكلف ابتداءً ، والمأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر يُواجه عملية إكراه واضحة ، إما على الفعل أو على الترك ، فمن أسلم وعُلم إسلامه يكون مُلزماً بأن يأتي بالمظاهر الإسلامية المتمثّلة بالعبادات ، فلا اختيار في البين بعد اختيار الإسلام ديناً ، في حين إنَّ انتخاب العقيدة ابتداءً أمر يرجع إلى اختيار الإنسان ، فليس لأحد أن يُكرهه ، وأما في الشريعة فالأمر مختلف ، بمعنى أنَّ الشريعة ليست موضوعاً لنفي الإكراه الوارد في الآية ، فلا تنافي بين الآية وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . نعم ، قد ذهب سيّدنا الأُستاذ الخوئي قدس سره إلى نفي الإكراه مطلقاً ، في العقيدة والشريعة معاً ، حيث يقول : ( . . . والمراد من الآية الكريمة هو أنَّ الشريعة الإلهية غير مبتنية على الجبر ، لا في أصولها ولا في فروعها ، فلا يُجبر أحدٌ من خلقه على إيمان ولا طاعة ) « 1 » ، وهو قول محلّ نظر ، ولعلّه يُريد من ذلك أنَّ غير المسلم لا يُكره على الالتزام بأُصول الدين الإسلامي ولا بفروعه ، وإلا فالمسلم من المُسلَّم إلزامه بالفروع . وأما النكتة الحقيقية في نفي الإكراه في الدين المأخوذ في حدود العقيدة فذلك لجوانحية الأُمور الاعتقادية ، فهي أُمور قلبية ، والأُمور القلبية غير قابلة للإكراه ، فالحبّ والبغض لا يُمكن إيجادهما وإعدامهما متى شئنا ذلك ، فهما يأتيان بنحو اضطراري ، من قبيل الإبصار الاضطراري الحاصل بمجرّد وقوع

--> ( 1 ) انظر : البيان في تفسير القرآن : ص 308 . .